محمد ابراهيم شادي
89
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
يلي ذلك رحلة أخرى تبدأ بالعين الحلقية وتنتهي بالباء الشفوية دون وسائط بينهما في ( عبثا ) . تليها رحلة عكسية تبدأ من الواو الشفوية التي مهد لها بالثاء المنونة تنوينا مدغما وتنتهي بالهمزة الحلقية من غير وسائط بينهما في ( وأنكم ) وقد جرت العادة عند الرحلة العكسية التي تنتهي رحلة قبلها بحرف شفوي لتبدأ هي بحرف شفوى أيضا أن يكون هناك فاصل بينهما في الغالب كالفاصل هنا بحرف الثاء المنون في ( عَبَثاً وَأَنَّكُمْ ) « 1 » . وتابع أنت هذه الرحلات بين أول المخارج ونهايتها على ضوء ما سبق لترى تتابع رحلات الحروف المنتظمة بين أول المخارج وآخرها في تعادل وتوازن عجيب لا يمكن إلا أن يكون بترتيب العليم الخبير . ومن عجائب توزيع الحروف الذي تراه يخالف ظاهرة الحل والترحال ما تراه في بدايات بعض السور وخصوصا تلك التي تبدأ بالحروف المقطعة كما في بداية سورة البقرة وآل عمران والمائدة مثلا ، فالبقرة وآل عمران تبدءان ب " ألم " مع مراعاة النطق الكامل للحرف فليس هو حركة واحدة تنطق وإنما هي حروف تنطق نطقا كاملا مع مراعاة قواعد التجويد فيما يمد وما لا يمد وكأنها ثلاث كلمات صغيرة ، واللافت هنا أنه يبدأ من الحل بالهمزة التي تخرج من الحلق إلى الفاء الشفوية مرورا باللام القريبة من منطقة الشفتين وذلك في الألف وحدها ، أما اللام فتبدأ قرب الشفتين ( من طرف اللسان مع اللثة بمساعدة هواء يخرج من جانبي اللسان ) حتى تصل إلى الشفتين اللتين تنطبقان في نهايتها انطباقا تاما ( لام ) ، أما الميم فتبدأ من الشفتين وتنتهي بهما ، فتجد في النطق لهذه الحروف المقطعة الثلاثة أنها بدأت بالحلق ولم تعد إليه بينما ترددت على الشفة " نهاية الرحلة " ثلاث مرات أو أربع مرات مرة مع الهمزة ومرة مع اللام ومرتين مع الميم ، وذلك راجع إلى طبيعة هذه الحروف وارتباطها بمناطق خروجها .
--> ( 1 ) أما عند بداية الرحلة ومع بداية الآية فقد نجد تلك البداية بحرفين أو ثلاثة من مخرج واحد كقوله تعالى : ( فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ) فالفاء والباء والميم كلها حروف شفوية وانضمامها على هذا النحو مع خفة نطقها من أسرار القرآن ، وهي تشعر بقرب رحمة اللّه سبحانه من عباده ومن رسوله صلى اللّه عليه وسلم خاصة .